سميح عاطف الزين
644
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
هي أرض اللّه تعالى وذلك لقوله العزيز : يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ « 1 » . . وكل خروج للرسول من مكة لن يكون إلّا في مصلحة الدعوة التي تنذر الناس وتبشرهم ألّا يعبدوا إلّا اللّه الواحد الأحد ، فإذا حالت رعونة المشركين دون إيفاء هذه العبادة حقها ، فكان لا بدّ من الخروج كي يمكّن للدعوة ، ولعبادة اللّه - عزّ وجلّ - في أرض اللّه الواسعة . . ولقد كانت مغادرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم غار ثور في يوم الاثنين 4 ربيع الأول من السنة الثالثة عشرة لمبعثه ، ( الموافق 8 أيلول سنة 622 ميلادية ) ، وقد اتخذ إلى يثرب دليلا له عبد اللّه بن أريقط الليثي ( أحد بني الدّيل ) ، وكان لا يزال على شركه ، إلّا أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وثق به ، وأمن من غدره لأنه كان في طبع العربي الحفاظ على كلمة شرف يعطيها . . هذا فضلا عن خبرته الواسعة في طرق الصحراء ، ولذلك سلك بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبصاحبه دروبا غير مألوفة ، إذ أمعن إلى الجنوب بأسفل مكة ، ثم توجه إلى تهامة على مقربة من شاطىء البحر الأحمر ، ثم اتجه شمالا محاذيا الشاطئ مع الابتعاد عنه ، متّخذا من السّبل ما قلّ أن يطرقه أحد . . وأمضى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والصدّيق طيلة ذلك الليل ، وصدر نهاره على راحلتيهما ، لا يعبآن بمشاق السفر ، ولا بمصاعب طرق الصحراء ، بقرّها وقيظها ، وبجفافها وبقساوتها ، فالغاية في سبيل اللّه تعالى سامية ، والتعب والشقاء من أجل الحق هيّنان . . ولكن لا بدّ من قيلولة تعيد للمهاجرين أنفاسهما ، فاختار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صخرة كبيرة ، يستروحان في ظلها
--> ( 1 ) سورة العنكبوت ، الآية 56 .